هذا مقال مهم للكاتب الصحفي الفرنسي تتيري ميسان مؤلف كتاب "الخدعة الرهيبة" الذي يشكك في رواية الإدارة الأمريكية حول أحداث 11 سبتمبر 2001، وهو هنا في هذا المقال يكشف الكثير من الحقائق و يلقي المزيد من الضوء على ملابسات حرب إسرائيل و أمريكا على لبنان.. ليصل في النهاية إلى حقيقة هزيمة إسرائيل في لبنان، مؤكدا أن الهجوم العسكري فشل على جميع الأصعدة.. إنه مقال يستحق القراءة خاصة هؤلاء الذين يشككون في نصر حزب الله و يحملونه مسؤولية قتل المدنيين و تدمير البنية التحتية و ينسون توجيه و لو كلمة لوم لإسرائيل و رئيس وزرائها المتعطش للدماء.
عن هزيمة إسرائيل في لبنان
بقلم: تييري ميسان
رئيس تحرير شبكة فولتير
إن خطة الهجوم وضعتها هيأتا أركان حرب الولايات المتحدة وإسرائيل. إذ فرض البنتاغون تقنية الصدمة والروع "تشوك أند أو" في إطار "بليتزكريغ" المألوف لدى الجيش الإسرائيلي.
بالنسبة للجنرالات الأمريكيين, فإن الوقت كان قد حان للبرهنة على "الإمكانات الجوية". فمنذ 30 سنة والقوات الجوية تحاول إثبات أن قصفا جويا عنيفا يكفي لإجبار عدو ما للاستسلام دون الحاجة إلى مبارزة برية. ولكي يتم ذلك على أحسن وجه لابد من رمي وابل من النيران يلقي بالعدو في حالة من الغباوة و البلادة. هذه النظرية أقدمت الولايات المتحدة على تجريبها سدى في العديد من مناطق العالم منذ 60 سنة. أما هذه المرة, فالفكرة تجلت في أن التدمير التدريجي والشامل لجميع مدن جنوب لبنان من شأنه الدفع بالشعب اللبناني إلى الثورة ضد ديكتاتورية حزب الله والهتاف بحياة عائلة الحريري.
فبعد يوم ونصف من القصف, قام الجيش الإسرائيلي بقطع خطوط الاتصال بين شمال وجنوب بلد الأرز. كما قام ذات الجيش بتعطيل مطار بيروت وتدمير احتياطي الهيدروكربون, وغلق مرافئ الموانئ الرئيسية, وفرض حظر جوي وبحري.
المشكلة هي أن حزب الله ليس ديكتاتوريا, بل حركة مقاومة وتضامن. لقد تسبب الهجوم الإسرائيلي في تهجير مليون شخص. إذ هاجر الربع الأول من هؤلاء إلى الخارج, في الوقت الذي وجد فيه الربع الآخر مأوى له في سوريا. أما نصف المليون المتبقي فلقد أخذ رحاله إلى شمال لبنان. يذكر أن العدد الهائل هذا من اللاجئين لم يتلقى أي إسعاف من الدولة. على العكس من ذلك, لم يتوانى حزب الله والتيار الوطني الحر بقيادة الجنرال المسيحي ميشيل عون في أخذ المهجرين على عاتقهما. بل وأن البعض من اللاجئين اللبنانيين تم استقبالهم وإيواؤهم من طرف اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في البؤس داخل المخيمات الفقيرة منذ 60 سنة. وبعيدا عن تحميل حزب الله مسؤولية المصيبة التي حلت بهم, ثار اللاجئون اللبنانيون ضد الجيش الإسرائيلي الذي قصفهم, والولايات المتحدة التي وفرت له الأسلحة, وحكومة السنيورة المتعاونة معه.
إن أكثر الأمور إثارة هو أن اللبنانيين الذين بقوا في الجنوب لمدة 34 يوما, تحت وابل من القذائف تفوق حدتها خمس مرات قوة هيروشيما, لم يصابوا بأي نوع من الإحباط. مكابدتهم هذه يرجع فيها الفضل في المقام الأول إلى تجربتهم الماضية مع الحرب, وكذلك بشكل كبير إلى تكوينهم و تأطيرهم, ثم إيمانهم. فبعيدا كل البعد عن فقدان الأمل, شمروا عن سواعدهم وأعدوا لحرب طويلة, حتى أنهم عجبوا من السرعة التي هزموا بها عدوهم الغاشم.
عرضيا, قام الجيش الإسرائيلي, وابتداءً من اليوم الثاني على هجومه, بقصف استوديوهات قناة المنار والمقر الوطني لحزب الله المتواجدين في أحد الأحياء الشعبية ببيروت. ذلك القصف لم يتسبب إلا في انقطاع بث برامج المنار لما لا يزيد عن دقيقتين, بدون أن يكون له أثر يذكر على تنظيم الحزب. ولقد ظن قادة أركان حرب الدولة العبرية بأن مسؤولي القناة والحزب قد لاذوا بالفرار و لجأوا إلى غرف محصنة (تحت الأرض) تحت الأنقاض.
هكذا تابع الجيش الإسرائيلي قصفه لأربعة أيام أخرى بغية تدمير المنشآت التحت أرضية, قبل أن يدرك بأن تلك المنشآت ليس لها من وجود إلا في الخيال المبدع لصحافيي "فوكس نيوز". غير أن القصف الإسرائيلي خرب جنوب العاصمة بأكمله, الذي أصبح كومة من الأنقاض. تلك الضراوة في الخطأ استفاد منها حزب الله الذي ظهر بمظهر الخصم الذي لا يقهر أمام واحد من الجيوش الأحسن جهازا في العالم.
إن الهجوم الإسرائيلي لا علاقة له برد حزب الله. كما أن الجيش الإسرائيلي استعمل طائرات "الإف 15" لإلقاء وابل من القنابل وسحق مدن جنوب لبنان. يذكر أنه لم يسبق لأمة, منذ تدمير "هانوي", أن تجرأت على اللجوء إلى هذا النوع من القصف داخل المجال الحضري. وهي التي كانت لتكون كذلك آخر مرة تشهد اندحار جيش عصري أمام شعب يلجأ إلى حرب العصابات, لولا ما لحق بجنود الكيان الصهيوني "التسال" في شهر أغسطس الماضي.
أما فيما يتعلق بحزب الله, فلقد حصر سلاحه في صواريخ موجهة لأهداف عسكرية معينة وإن سبب إحكام القاذفة بالضرورة في إصابة بعض المواقع المدنية. ولقد ثبت بأن المقاومة اللبنانية تمكنت من تدمير مطار عسكري, والمركز الرئيسي للإرسالات الإلكترونية, والمقر العام لقيادة الشمال الإسرائيلية, ثم ألحقت أضرارا بليغة بسفينتين حربيتين.
في الوقت الذي نادت فيه منظمة الأمم المتحدة إلى وقف العدوان, وبينما كان حزب الله بصدد التردد حيال ما يجب فعله, عاد المهجرون اللبنانيون أدراجهم واستقلوا طريق العودة عفويا. فبعد نصف ساعة من اللحظة التي طال انتظارها, احتشد ما تبقى من الطرق الناجية من القصف بجموع العائدين إلى ديارهم. إذ عادوا فورا للتخييم فوق مساكنهم المدمرة, رافضين رمزيا إخلاء أرضهم. ذلك المد الإنساني عجل بتقهقر القوات البرية الإسرائيلية.
كما أكدت القوات الجوية الإسرائيلية أنها استطاعت في 72 ساعة أن تحطم كل مدارج إطلاق صواريخ "صحر" التي سلمتها إيران لحزب الله. غير أن هذا الأخير نفى الخبر مؤكدا بأنه مازال قادرا على ضرب إسرائيل. وهو ما يبدو صحيحا, إذ إن الجيش الإسرائيلي, وبمجرد أن حاول إعادة قصف بيروت, تلقى ردا عنيفا من حسن نصر الله مهددا باتخاذ تدابير ثأرية هدفها تل أبيب. ذلك الرد أجبر الإسرائيليين على رفض الرهان. زد على ذلك أن مسؤولي حزب الله أكدوا أنهم لم يستعملوا سوى 1/9 من ترسانتهم وأنهم قادرون للتو على الاستمرارية في القتال بالحدة ذاتها لمدة أحد عشر شهرا آخر. للتذكير فإن العناصر التي تم جمعها توضح بجلاء أن العديد من وحداتهم المضادة للدبابات ادخرت ولم يتم استخدامها في هذه الحرب.
الخلاصة أن الهيمنة الجوية الشاملة للقوات الإسرائيلية لم تخدم أهدافها الحربية. أما الانتشار الجوي فلقد تحول إلى خيبة أمل.
فشل الهجوم البري
منذ اليوم الأول من الحرب, برز فشل محاولة التوغل بواسطة المدرعات. والحال أن إحدى نقاط قوة الجيش الإسرائيلي عادة هي قدرته على التقدم السريع. ولقد تم تفسير هذا الفشل الأول على أنه محاولة سابقة لأوانها. كما أن قادة أركان الحرب ظنوا بأنه بمجرد أن يتم إخلاء الميدان عبر قاذفات القنابل, سوف يسهل على القوات البرية سحق رجال المقاومة.
لقد تم تصوير حزب الله كزمرة إرهابية تتكون من 250 إلى 500 محارب وبعض الأسلحة المعقدة. فتصريحات حسن نصر الله التي مفادها أن الحزب يضم الآلاف من المحاربين المدربين وما لا يقل عن 15000 جندي احتياطي, تلك التصر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |